أم درمان… تقلب الموازين

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

السودان اليوم:

يعرف السودانيون، وكل من يملك فكرة عن تاريخ هذا البلد ومجتمعه وتحولاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، أن لا صدفة في تركز الحراك الساعي إلى إسقاط النظام وتنحي الرئيس عمر البشير، منذ 19 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، في أم درمان، التي تعتبر إحدى أكبر مدن الخرطوم والسودان عموماً. ذلك أن أم درمان، الواقعة غربي نهر النيل، تكاد تلخص حراك السودان تاريخياً، في السياسة والتاريخ والثقافة والفنون وأشكال الاعتراض والأفكار الجديدة الخارجة عن الإجماع المحافظ بشكل عام.

ورغم أن الاحتجاجات الشعبية شملت حتى الآن أكثر من 25 مدينة، بنحو 390 موكباً، وسقط فيها 22 قتيلاً، حسب ما تقول الحكومة، و43 شخصاً حسب رواية الأحزاب المعارضة، إلا أن أم درمان ظلت تتصدر الحدث والأنباء والاهتمام الإعلامي، وذاك أيضاً لم يكن من باب الصدفة. وكانت أم درمان، الأربعاء الماضي، على موعد مع سقوط 3 قتلى إضافيين بين المحتجين برصاص قوات الأمن. وبمجرد أن أعلن “تجمع المهنيين” المعارض، دعوته للحشد، حتى بدأ سكان المدينة، التي تقع على الضفة الغربية لنهر النيل، في استخدام أدوات مختلفة لبث الحماسة وسط الناس للخروج وإسماع أصواتهم الرافضة لاستمرار الحكومة.

وكان لافتاً انتشار دعوة على وسائط التواصل الاجتماعي، تمجد تاريخ مدينة أم درمان الوطني، منذ عهد الثورة المهدية، التي اختارتها عاصمة للدولة في العام 1885، بعد إخراج الوجود الأجنبي، التركي والمصري، بين 1821 و1885. كما تحدثت دعوة الحشد عن دور المدينة في استقلال السودان من الحكم الإنكليزي المصري في العام 1956. ثم ركزت دعوات التحشيد على تعظيم أحياء المدينة واحداً تلو الآخر، وخصوصاً أن غالبية أسماء الأحياء مرتبطة برموز من تاريخ السودان. ولم تنس الدعوات حث السكان، عند خروجهم في التظاهرات، على التعبير بأدوات نابعة من الوجدان الـ”أم درماني” المعروف بحبه للأدب والفنون بأشكالها المختلفة، لدرجة تعميد المدينة، منذ وقت طويل، كعاصمة للثقافة في السودان. وتعرف أم درمان، التي تأسست في القرن السادس الميلادي، باسم آخر هو “البقعة”، وهو الاسم الذي أطلقه عليها محمد أحمد المهدي. وتعد المدينة واحدة من كبريات المدن السودانية، بكثافة سكانية تقدر بنحو 7 ملايين نسمة، وترسم مع مدينتي الخرطوم والخرطوم بحري لوحة تمثل العاصمة السودانية. ويكنيها السودانيون بـ”أم در”، وقد ورد ذكرها في عشرات الأغاني الوطنية وحتى العاطفية.

وفي أم درمان تأسست الإذاعة السودانية والتلفزيون والمسرح القومي ومقر البرلمان ومؤسسات أخرى شهيرة. وإضافة إلى ذلك، ففي المدينة مقر قمة كرة القدم السودانية، ناديي الهلال والمريخ، وتنافسهما الأبدي على من يكون زعيماً للكرة وسيدها. ومن أشهر أحياء أم درمان: الموردة وبيت المال والملازمين وودنوباوي والشهداء والعرضة وبانت والفتيحاب والهاشماب. وليس من الصدفة وحدها أن يكون معظم من حكموا السودان ترعرعوا في أنحاء المدينة، مثل الأب الروحي لاستقلال السودان إسماعيل الأزهري، ومحمد أحمد المحجوب والصادق المهدي وجعفر نميري. وبشأن الأخير، فإن معظم ضباط الانقلاب الذي نفذه في العام 1969 كانوا من أبناء أم درمان. كما أن الأب الروحي للحزب الشيوعي، بتشكيله الحديث، عبد الخالق محجوب، من أبناء المدينة. ولا تزال المدينة تحتفظ بألقها السياسي وسمتها المعارضة للحكومة الحالية، إذ ينطلق منها نشاط حزب الأمة المعارض من مقره في المدينة، أو من مسجد السيد عبد الرحمن المهدي بودنوباوي الذي تنطلق منه، منذ بدء الحراك الشعبي، مسيرات الجمعة. مع الإشارة إلى أن الكثير من أحياء المدينة تدين بالولاء التام للحزب. كما يقع في المدينة منزل الزعيم إسماعيل الأزهري، ودار الخريجين، اللذان تتخذهما الحركة الاتحادية نقطة انطلاق لنشاطها السياسي، بالإضافة إلى عدد من الجامعات، مثل “أم درمان الإسلامية” و”الأحفاد” و”القرآن الكريم” و”أم درمان الأهلية” وكلية التربية في جامعة الخرطوم.

وانطلقت مسيرة المدينة الرافضة للحكومة، الأربعاء الماضي، من محطة الشهداء، مرقد قتلى أشهر معركة في التاريخ السوداني، معركة “كرري”، ولعلها دلالة ورمز أرادته المعارضة السودانية في طريق معركتها مع النظام. وتحركت المسيرة، وفيها الآلاف، من هناك عبر شارعي الموردة والأربعين، لتخرج نساء الأحياء ويتفاعلن مع المحتجين بإطلاق الزغاريد والهتافات التي تشعل حماسة الشبان الذين كانوا يتوجهون إلى البرلمان لتسليم مذكرة تطالب بتنحي البشير. ولم تتردد الأسر كذلك بمد المتظاهرين بمياه الشرب والطعام، هذا عدا عن إيوائهم خلال مطاردة الشرطة والأمن لهم. ودفع المحتجون ثمن اقترابهم من البرلمان، إذ سقط 3 قتلى وأصيب 8. وتقول لجنة أطباء السودان، الجسم غير الحكومي المساند للاحتجاجات الشعبية، إن كل الإصابات سببها الرصاص الحي الذي استهدف المتظاهرين. وعلى الرغم من سقوط القتلى والجرحى، إلا أن أبناء أم درمان يقولون إنهم فخورون بإيصال رسالتهم إلى بريد النظام، وأنهم مستعدون لتقديم المزيد ثمناً للوصول إلى هدفهم.

ويقول المحامي طارق إلياس، أحد أبناء أم درمان، إن ما قاد لنجاح الحراك الشعبي في المدينة بنسبة أكبر من المدن الأخرى هو التكوين والتصميم الأصلي للمدينة، الذي قام في الأساس أيام المهدية على الحروب والمواجهة والاستعداد المستمر لخوض المعارك. ويشير، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أنه “حتى خلال أيام الاستعمار، فإن مؤتمر الخريجين الذي قاد النضال ضد المستعمر البريطاني انتقل إلى أم درمان بعد نشأته في الجزيرة، فضلاً عن نشأة كل الحركات الوطنية في أم درمان”. ويضيف أن “الوعي السياسي وسط أهل أم درمان كبير جداً، وقد ساهمت اللحمة المجتمعية في إنجاح التظاهرات إلى حد كبير”. ويوضح أن “مشاركة أعداد كبيرة في التظاهرات تعود إلى الانصهار المجتمعي الكبير، وقد تجلى ذلك في فتح الأسر أبوابها للمحتجين وإيوائهم من الملاحقات الأمنية”. وحول عدم وجود تأييد كبير للحركة الإسلامية الحاكمة في السودان وسط أهالي أم درمان، يقول إلياس إن مدينته لها خاصية الاهتمام بالفن والرياضة، و”هذا الأمر لا يتوافق مع حركة الإسلام السياسي عموماً”. ويؤكد أن “أم درمان، بعد خروجها الأخير، الأربعاء الماضي، لن تتوقف عن انتفاضتها ضد النظام”، موضحاً أن “السكان ظلوا يتدارسون طوال يوم الخميس ما حدث يوم الأربعاء للتعمق فيه وتطويره في الأيام المقبلة، لذا بدت المدينة هادئة ولم تستعجل ردة الفعل على مقتل أبنائها”.

العربي الجديد

المادة السابقة8 صواريخ إسرائيلية أطلقت علي سوريا و الدفاعات أسقطت 6 منها
المقالة القادمةكندا: تفتح أبوابها أمام مليون مهاجر جديد بين عامي 2019 و2021

إقرأ الخبر من المصدر السودان اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق