مؤرخ سعودي يكشف معلومات جديدة عن أحياء الحضارم بالرياض

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

قال المؤرخ السعودي منصور العساف ما أن يرد اسم حي "القريشية" بالعاصمة الرياض إلاّ ويرد معه ذكر "الحضارم" أو من يسمون "حضارم الرياض" الذين نزلوا لهذا الحي القديم وسط العاصمة منذ بدايات الثمانينيات والتسعينيات الهجرية، وعرفوا كغيرهم من الحضارم بحسن الجوار وطيب المعشر، لا سيما وأن هذا الحي قريب من مواقع أعمالهم وتجارتهم، حيث حي الصناعية الأولى وسط الرياض الذي التزم الحضارم من خلاله بتنوع سبل الاستثمار وطرق أبواب الرزق، الذي لم يقف على التوريد والاعتمادات وتجارة التجزئة؛ بقدر ما حظي بالتغيّر المستمر وتنوع الأنشطة مع الحفاظ على ميزة التخصص والتمسك بالنشاط الرئيس الذي لا يغيب عنه صاحبه ولو للحظة واحدة؛ جرياً على المثل السائر "زيد محلك جلوس يزيدك فلوس"، والذي يتطلب الجهد والعمل بصمت ومثابرة.

وأضاف العساف وفقاً لحكمة حضرمية قديمة مفادها أن "الأرض لمن انقطع رزقه"، وأن السعي الحثيث في ظروب التجارة وطلب الرزق مدعاة لتنويع الاستثمار، ناهيك عن صبر الشاب الحضرمي على صعوبة البداية عملاً بقول العلماء "العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات"، ولذا كان الحضرمي الطموح كثيراً ما يردد قول من سبقوه: "اعط محلك جلوس يعطيك فلوس".

تنوع استثماري

وأضاف إذا كان حي "الصحيفة" في جدة أحد أشهر أحياء الحضارم في المملكة؛ فإن حي "القريشية" قديماً وحي المنصورة "خنشليلة" وحي "العزيزية" حديثاً، تعتبران أشهر أحياء الحضارم في الرياض، لا سيما وأنهم رغبوا من خلال سكناهم لهذه الأحياء التواجد بجوار سوق العمل، والإشراف المباشر على تجارتهم المتنوعة، التي تسير وفقا لحكمة حضرمية التي تقول "البحر واحد والسمك أنواع"؛ فمن قطع الغيار والمواد المصنعة وتجارة التموين الغذائي، إلى الذهب والمطاعم، وغيرها من تجارة التجزئة، ومواد البناء والمواد الكهربائية ولوازم السيارات، التي يقول الحضرمي ان السيارة الواحدة فيها أكثر من ثمان وعشرين فرصة "استثمارية رئيسة"، ولهذا نشط حضارم في "القريشية" وحي الصناعية القديم وسط الرياض، واستلموا مع إخوانهم وشركائهم أصحاب المحال عدة فرص استثمارية، وتحديداً مواد التصنيع وقطع الغيار، ولذا كان اختيارهم للمكان حيث يقع حي "القريشية" في أطراف حي العود وسط الرياض، وحين بدأت ملامح الطفرة الاقتصادية في البلد نال الأشقاء الحضارم ما نال إخوانهم أصحاب المحال والمصانع، حيث زاد الطلب وتوسعت التجارة، وهو ما ظهرت ملامحه على أحوال الناس، حيث عُمّرت الدور والمساكن الواسعة، وانتقل كثير من الحضارم إلى حي "العزيزية" في أواسط الثمانينيات الميلادية، خاصة أولئك الذين احترفوا تجارتهم في مواد البناء، ومصانع البلوك وكسارات الحجر، كما زاد من الهجرة نحو حي "العزيزية" تثمين أمانة منطقة الرياض لكثير من أحياء وسط العاصمة، أما حي "خنشليلة" فقد أصبح في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات أحد أشهر أحياء الحضارم الميسورين، حيث الدور والمساكن الواسعة غير البعيدة عن مراكز التجارة، ومع الهجرة لحيي "الخنشليلة" و"العزيزية"، فقد حي "القريشية" كثيراً من الأسر الحضرمية التي لها الآن اسمها ومكانتها التجارية، حيث انتقل بعض هؤلاء إلى أحياء أخرى عدا "خنشليلة" و"العزيزية"، حيث جنوب حي "الملز" أمام ملعب الصايغ، وكذلك أجزاء من أحياء "الخالدية" و"حلّة العنوز".

الفوال و«البنشري» أصبحا اليوم من كبار تجار المواد الغذائية وقطع غيار السيارات

ليال حضرمية

ظل حضارم الرياض يتذكرون جيدا كيف كانوا حين طفولتهم في "القريشية"، يتنقلون بين شارع "الحلّة" غرباً إلى مدرسة "عبد الحميد الكاتب" شرقاً، ومن شارع "غبيرة" جنوباً إلى حي "الصالحية" شمالاً، وهناك تمتزج رائحة "السليط" و"اللخم" و"الهريس" بعبق "الحنيذ" و"المندي" و"المظبي"، حيث كان الطباخ الحضرمي يتفنن بالقدور الحجرية في تحضير "الصيادية" و"العصيد" و"الفول" و"القلابة"، ومع أطباق "العدس" و"الخصار" يحضر الشاي العدني الممزوج بالحليب أو الزعفران أو "الهيل"، وفي شهر رمضان كانت الدور في "القريشية" منازل دنيا وآخرة، فبقدر ما تمتلئ المساجد في صلاتي التراويح والقيام، بقدر ذلك كانت الأزقة الضيقة تعج بالأطفال الذين يلعبون "شبط لبط" في حين يبيع الكبار منهم حبيبات الريم "الفصص" و"الدوم"، وربما سرق "سالمين" و"عمر" نظرات بريئة إلى الريم "السطح" المجاور حيث "عمرة" و"رحمة" تنشران الغسيل وتتغنيان للخيب "الطفل الصغير":

يا بنات المكلا

يادوى كل علة

ولا يكاد يقطع هذا العمل واللعب الدؤب، إلاّ صوت المفلّح "المسحراتي" الذي يوقظ الأهالي للفلاح "السحور"، وهو يردد:

رحبوا رحبوا بشهر رمضان ياصائمينا

عاده الله علينا وعليكم أجمعينا

كان للعسل الحضرمي حضور لافت في أزقة ودور الحضارم، كما كانت أطباق ال"باخمري" و"المشبك" -الذي تسميه العرب قديما الزلابية- و"المغوش" لا تكاد تغيب عن المائدة الحضرمية، لا سيما في شهر رمضان المبارك، وعليه فما يزال "حضارم الرياض" يأنسون ويحنون كثيراً لطيب أيامهم وصفاء عيشهم في أحياء وسط وجنوب العاصمة، بل لطالما استعاد كبار السن منهم أيام بداياته وربيع شبابه ومسيرته العملية والاستثمارية، أمام أبنائه وهو يتجول معهم في الأزقة الضيقة، وحينذاك يسود الصمت وتعبر المدامع عن ألم الفراق وحرارة الوجد والأشواق.

إقرأ الخبر من المصدر اليمن العربي

أخبار ذات صلة

0 تعليق