«الملاك».. أو كيف تحوّل قصة مثيرة إلى فيلم رديء

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

المنصة - أحمد زكي

عند صدور الإعلان الترويجي لفيلم "الملاك" والمبني على ما ورد في كتاب "الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل" للصحفي الإسرائيلي يوري بار جوزيف، توقع جمهور عملاق منصات الترفيه المرئي نتفليكس، منتجة الفيلم، أن يشاهدوا عملًا يعكس الطبيعة المعقدة والمركبة لواحدة من أكثر الشخصيات المصرية غموضاً خلال المائة عام الأخيرة.

وزادت التوقعات بمشاهدة عملٍ متقن عند اكتشاف أن كاتب الفيلم هو دافيد آرماتا، الحاصل على ترشيح لأوسكار أفضل سيناريو مأخوذ عن رواية وذلك عن فيلم "أطفال الرجال" Children of Men عام 2006، كما أنه كتب فيلم الجاسوسية الممتاز "لعبة الجاسوسية" Spy Game عام 2001، والذي لعب بطولته روبرت ريدفورد وبراد بيت وأخرجه طوني سكوت.

ثالوث فشل "الملاك"
لكن الجبل تمخض فولد فيلمًا نجح بشكل استثنائي في الفشل على ثلاث جبهات: الأولى أن يعكس ما ورد في كتاب يوري بار جوزيف من اجتهاد لتفسير ما قام به أشرف مروان عندما "أنقذ إسرائيل" عبر تجسسه لصالحها على القيادة المصرية في الأعوام التي سبقت حرب عام 1973.

الجبهة الثانية هي الفشل في إنتاج نص سينمائي خالٍ من الأخطاء التاريخية الفادحة، أو حتى قادر على رسم شخصيات أبطال القصة بشكل متقن.

الفشل في الجبهة الثالثة تمثل في العجز عن إنتاج شريط سينمائي ممتع بصريًا وقادر على محاكاة العصر الذي يحكي عنه ونقله إلينا على نحو ما فعله ستيفن سبيلبيرج في فيلم "ميونخ" (2005) والذي تناول فيه قصة انتقام الموساد من شخصيات فلسطينية في أعقاب عملية احتجاز وقتل رياضيين إسرائيليين في دورة ألعاب ميونخ الأولمبية عام 1972.


عبد الناصر كما ظهر في فيلم الملاك. الصورة: نتفليكس
عبد الناصر في لندن
يكفي أن يبدأ الفيلم في التأسيس لشخصية مروان من خلال مشهد يجمعه على طاولة العشاء مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر وابنته منى (زوجة مروان) ونائبه أنور السادات ومدير مكتب الرئيس للمعلومات سامي شرف وعدد آخر من المسؤولين في مقر إقامة السفير المصري في لندن في العاشر من يوليو/ تموز عام 1970.

فعبد الناصر لم يزر لندن ولو لمرة واحدة خلال حياته التي انتهت في سبتمبر عام 1970. ولم يلتق رئيسًا لوزراء بريطانيا سوى أنطوني إيدن عام 1955 في القاهرة. لكن عبد الناصر ذهب مرة واحدة فقط للولايات المتحدة وتحديدًا نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1960، والتقى الرئيس الأمريكي دوايت إيزنهاور، وهو اللقاء الوحيد الذي جمعه مع رئيس أمريكي. فمن أين أتى كاتب الفيلم دافيد آرماتا بواقعة ذهاب عبد الناصر إلى لندن قبل أشهر من وفاته، وهي الواقعة التي لم ترد في كتاب الملاك أو وقعت أصلاً.

أما المشكلة الثانية في المشهد الذي يؤسس لشخصية مروان، أنه قدم زوج ابنة عبد الناصر باعتباره شابًا لديه الجرأة كي يطرح آراء مختلفة عن السلام مع إسرائيل وعن ضرورة الذهاب للولايات المتحدة وصنع صداقة معها والتخلي عن التحالف مع الاتحاد السوفيتي لأنه سوف ينهار بسبب "أن نظامهم لا يكافئ الفرد على مبادراته وإنجازاته" وعن أهمية الحفاظ على أرواح الناس بدلًا من استرداد الأرض، وبسبب هذه الآراء عبّر عبد الناصر عن غضبه على مروان في المشهد التالي مع ابنته منى.

المنتقم
من يقرأ كتاب الملاك يجد أن ما ذكره يوري بار جوزيف هو أن مروان لم يكن يحظى بثقة أو احترام عبد الناصر بسبب إدمانه على القمار خلال دراسته في لندن وسداده لديونه من خلال جيب أحد أفراد الأسرة الحاكمة في الكويت وهي سعاد الصباح والتي كانت مقيمة في لندن مع زوجها الشيخ عبد الله المبارك الصباح.

كما يذكر الكتاب أن مروان كان يتلعثم عندما يتحدث إليه عبد الناصر أمام موظفي مكتب الرئاسة. ويحاول يوري بار جوزيف من خلال هذه التفاصيل التأسيس لرواية أن أحد أسباب ذهاب مروان للموساد وعرض خدماته هو رغبته في الانتقام الشخصي من عبد الناصر والحصول على المال اللازم لتمويل نمط حياته في لندن.

وبدلًا من تقديم الفيلم صورةً دقيقةً أو قريبةً من الواقع لمصر وشخصياتها السياسية خلال الفترة التي أعقبت رحيل عبد الناصر وتخلص السادات من رجال سلفه في مايو عام 1971؛ قدم الفيلم صورة كاريكاتورية للسادات الذي يحاول فرض هيبته على رجال دولته، كما قدم صورة سيريالية لسامي شرف والذي تحول إلى زعيم مافيا داخل مقر إقامته في سجن طرة، يصدر الأوامر بالتجسس على مروان المقيم على بٌعد آلاف الأميال في لندن من خلال ضابط المخابرات المصري الغامض "بابك".


السادات كما ظهر في فيلم الملاك. الصورة: نتفليكس
كارتون
يستمر الفيلم في التناول الكارتوني للشخصيات السياسية مثل القذافي والذي يقدمه كرجل يستشرف مستقبل بلاده بعد أربعين عامًا بينما مجموعة من الحسناوات يتمايلن ويتراقصن كجواري قصور خلفاء العصر العباسي، أو التناول الكارتوني للأحداث مثل إحباط مروان لعملية تفجير طائرة ركاب إسرائيلية في روما، وهي الواقعة التي وردت في الكتاب بشكل أكثر حبكة ومن خلال تفاصيل تختلف عن ما ورد على الشاشة.

وبدلاً من أن يظل "الملاك" وفيًا لفكرة الكتاب وهي أن أشرف مروان هو الملاك الذي أنقذ إسرائيل من الهلاك، فإنه يختار أن يسلك طريقًا آخر وهو أن أشرف مروان هو المخطط والمدبر لحرب محدودة تنطلق خلال أكثر الأعياد اليهودية قداسة وهو يوم كيبور، ويكون الهدف منها هو إلحاق هزيمة "محدودة وليس ساحقة" بإسرائيل من أجل إجبارها على إقامة سلام مع مصر وحقن دماء آلاف الشباب وإنهاء الحروب للأبد.

وخلال الفيلم يحكي أشرف عن قصة اختياره أن يكون الراعي البدوي الذي يحذر القرية (إسرائيل) من هجوم الذئاب عدة مرات بشكلٍ كاذب كي لا يلتفتوا لتحذيره الحقيقي عند وقوع الهجوم.

أشرف مروان في إسرائيل
هذا المسار المفاجئ والمفرط في السذاجة الذي اختاره صناع الفيلم بدا وكأنه محاولة منهم للرقص على حبال الجدل في إسرائيل حول مروان والذي يدور بين مدرستين رئيسيتين: الأولى تعتبره أهم عنصر في خطة خداع معقدة من مصر كي تقنع إسرائيل بأنها لن تحارب. والثانية يمثلها رئيس جهاز الموساد خلال الحرب زفي زامير والذي يعتبر مروان "أفضل مصدر معلومات حصلت عليه إسرائيل خلال تاريخها" ويصل في مدحه إلى حد اعتباره "واحداً من أكثر الجواسيس أهمية خلال القرن العشرين".

بطل مصري إسرائيلي
لذا تأتي نهاية الفيلم في صورة مشهد يحدث عام 1983 ويجمع مروان مع ضابط الموساد الذي كان يتولى التعامل معه، ليتحدثا عن دور مروان في التأسيس لمسار السلام بين مصر وإسرائيل، وكيف أن الرجل المحب للسلام أنقذ أرواح الآلاف من الجانبين. ويفترق الرجلان بعد أن اختار مروان اعتزال أدواره الغامضة والحياة في لندن منفصلًا عن زوجته منى التي يملؤها الشك من أن زوجها يخونها مع فنانة إنجليزية، وذلك بفعل وشاية من زعيم المافيا المعتزل سامي شرف.

وتأتي الجمل الأخيرة المكتوبة على الشاشة لتذكر أن الرجل الذي رحل عن الحياة في ملابسات غامضة خلال صيف 2007، يعتبر بطلًا وطنيًا في مصر وإسرائيل. وهي النهاية المتوقعة لفيلم خفيف يستمتع به أي مشاهد كندي خلال ظهيرة يوم أحد في أونتاريو.

إقرأ الخبر من المصدر الموجز

أخبار ذات صلة

0 تعليق